وعكة صباحيَّة

لا طاقة لي بشيء، حتى الكتابة باتت تثقلني، أجرّ يداي على لوحة المفاتيح محاولةً الكتابة لأقاوم، لربما أحمل من الفسحة في النص أكثر مما يحمله صدري. “أوكلما مرضت روحي سيمرض جسدي؟” وكأنما عبء الروح ليس كافيًا، أن تجد الحياة تنكأ جراحك على غفلة، وأنت تتسيّد قمة الثبات، لتزلّ أقدامك عند هاوية جراحك.. وتهوي، أن تحاول، وكل محاولاتك تبيت فشلًا وتُرمى في زاوية فؤادك بمسمى “محاولات خاوية” أليس الخواء أكثر دقةً من الخائبة؟ لأن الخيبة تأتي بعد أمل، لكن خواءك سيبقى خواءً حتى في العدم!
تستيقظ على منبه وجع، يوقظك كل ساعة تذكيرًا بمرضك الذي صار رفيقًا في اليومين الماضيين، تبحث في هاتفك عمن تحادثه، تبث أوجاعك لعلّها تسكن، لعل نشرك لها يُخيفها؛ لتلوذ بمأوى غير
صدرك.. ولا تجد. تثق يقينًا أن تلك المجزرة التي أقامتها أيامك في وقتٍ سابق -آتت أُكُلهَا ولم تظلم منهُ شيئًا- للحد الذي يجعلك تتهاوى من فرط وحدتك، تمدّ يداك بحثًا عن طوق نجاة، تحركهما للإستغاثة ولا من مُغيثٍ سواه، باحثًا عن شطٍ ترسو إليه وتخبو.. ولا تجد. أن يبقى تساؤلك الأدوم، والأوحد “أيحمل المرءُ أيامه، أم تحمله؟” معلقًا على ظهرك، يزداد تشبثًا بك يومًا تلو الآخر وأنت تبحث عن إجابتك..ولا تجد.
تؤرقني الأسئلة وآخر ما جال بخاطري ليلة أمس “ما الذي يجعل الإنسان متشبثًا بالحياة إلى هذا الحد؟” وكل ما حوله يدعوه للفناء، -ودون رغبةٍ منك- يحاول جسدك أن يُخلّد لأطول فترةٍ ممكنة، أن يتمسك حتى بفرصك الفائتة -إذ ضاعت ولا مجال لعودتها- يتمسّك، تحاول التخلص من ألمٍ قد اتخذك خليلًا في الدنيا.. ولا تفلح، ربما ابتدأت المأساة عند بدء محاولاتي لأن أكون كل شيءٍ.. إلايّ، ربما من اعتراضاتي المتكررة منذ صغري التي أصرخ بها بملء فمي: لا! حتى اُستهلكت كل لا كانت.. قبل أن تكون، ربما من غضبٍ اجتاحني مما لم أُرده من الحياة.. وتبعني، من ترتيبٍ بين إخوتي فرضته الأقدار عليّ ولم أجد طريقةً لردعه، من جملة والدتي عند الثالثة عشر من عمري “الأوسط بين أخوانه دايم شقيان ومأكول حقه بينهم” لأصبح الفتاة ذات اللسان الأطول في العائلة خوفًا من أن يأتيني حقٌ.. فيُأكل! أن ألهث طويلًا غضبًا من أقدارٍ لم ولن يكون بوسعي تغييرها، منذ الصفّ الأول: رفضت أن أكون دون الترتيب الأول على الصفوف، ألَّا أكون الليّن حتى لا أُفترس، ألَّا أصبح الهامش في قصة أحدهم، أرفض العقابات دون تبرير، أرفض الأوامر دون سبب، أن أرفض التعدّي كمن يحمل السيط بلسانه ليلسع أي مقترب، أن أرفض أي أنصافٍ بالحياة، أي حلولٍ وسطى، متناسيةً أنني منهم. أيعقل أن ينبذ المرءُ جزءًا منه؟ نبذت أبي لوجوده الوهميّ الذي يحاول فرضه، نبذت حالي عندما ألوّح بيدٍ للوداع وبالأخرى أرجوه الرجوع، أفكاري التي تُلقنني الفناء وجسدٌ يرجو الخلود، عادتي بترك ما أتابعه أو اقرؤه في منتصفه أملًا بالعودة.. ولا أعود، مللٌ يداهمني بعد نشوة البدايات ولا يفوت.
أن تكون العقبة الوحيدة التي تواجهها في كل مرة هي أنت.. وتُهزم.

نُشر بواسطة -

"مثقَّبون بما يكفي ليسطعَ من هذي الثقوبِ على أيامِنا القبسُ."

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ